GuidePedia

0
بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
          تعتمد الاستراتيجية السعودية في مواجهة الخطر الإيراني، على العناصر التّالية:
          1- في اليمن من أجل إقصاء الإصلاحيين، وشباب الثورة اليمنيّة عن تحقيق أي نصر أو إنجاز، وإفشال الثورة اليمنيّة، تفادياً لأي ارتدادات لها على دول الجوار الخليجي، آثرت السعودية التحالف ــ ولأكثر من مرة! ــ مع الطاغية الخائن، والعدو الصديق " اللاصالح "، وراهنت عليه .. فكانت النتيجة الفشل الذريع والمروّع في اليمن، وخسارة العمق السني اليمني، وتمكين الحوثيين عملاء وأعين ويد إيران في اليمن، إلى أن أصبحوا قوة لا يُستهان بها!
          2- في العراق، الدولة المجاورة الأخرى للسعوديّة، وتحت هاجس الخوف من ارتدادات الثورة السنيّة العراقية على دول الخليج، خذلت السعودية سنة أهل العراق، وخذلت ثورتهم، وأسلمتهم بثمنٍ بخس للعدو الإيراني، ولعملائها الشيعة الروافض .. ففقدت بذلك العمق السني العراقي، القادر على أن يقف معها ضد الخطر الإيراني، وعند مورد المحن والشدائد!
          3- في سوريا، ظلّت السعودية للأمس القريب تدعم النظام الأسدي النصيري بمليارات الدولارات، طمعاً في إبعاد بشار الأسد عن إيران، فمشكلة السعودية مع النظام السوري الأسدي المجرم، هو قربه من إيران، وليس لكونه نظاماً مجرماً يسوم الشعب السوري المسلم، الذل، والهوان، والتعذيب، يدمر مدنهم وبيوتهم، ويقتل أطفالهم .. لكن أبى بشار الأسد إلا أن يصطف مع إيران، الأقرب إليه طائفياً ومذهبياً .. فكانت المباينة السعودية للنظام الأسدي من أجل هذا الوجه لا غير.
          وهي بدلاً من أن تدعم الثورة السورية بكل ما تملك من قدرة واستطاعة، لتحجّم الدور والتواجد الإيراني في سوريا، ولتكفيها الجانب الأكبر من الخطر الإيراني، كان الدعم لها بالقطارة، وخاص بالجانب الإنساني المتفاقم، دون العسكري، وفي كثير من المنعطفات الهامّة والحساسة كانت هذه القطّارة تتوقف .. ورضيت أن ترفع يدها وتسلّم ملف الثورة السورية للعدو الروسي القاتل والمجرم، مقابل أن يبعد الروس بشار الأسد عن إيران .. زعموا .. حلم إبليس بالجنّة! 
          فكانت النتيجة إضعاف أهل السنة في الشام، وإضعاف ثورتهم، لصالح الوجود الإيراني، وحزب الله اللبناني، ومرتزقة الشيعة في العالَم، وعلى جميع الأصعدة والمستويات .. وتحقيق مزيد من الهيمنة الإيرانية على على سوريا، والنظام الأسدي المجرم. 
          4- في لبنان، أفضت سياستها القاصرة، إلى تمكين حزب الله الشيعي، ربيب وعين ويد إيران، على جميع مرافق الحكم والتأثير في لبنان، وراهنت على عميلها الضعيف الحريري .. فكانت النتيجة ما يعرفه الجميع!
          5- في الخليج العربي عمقها الأكثر استراتيجية؛ فبدلاً من أن تحافظ على وحدته وتماسكه وقوته، تقوم بتفتيته، وتقصي دولة قطر عن الجسم الخليجي، وتحاصرها براً وجواً وبحراً، وتحاربها في لقمة عيشها، وتتعامل معها ومع أهلها على أنها العدو الأول والأكبر، فسلِم منها بنو صهيون، ولم يسلم منها بنو العمومة والرحم من أبناء وأهل قطر الأكثر طيبة، ووداعة، وسلامة صدر .. فجاء هذا العمل المشين والطائش ليصب مباشرة في خدمة إيران، ولصالحها! 
          6- في مصر، العمق السني والجماهيري للأمّة، وقفت مع الطاغية السيسي، وأمدته بمليارات الدولارات، ضد الشعب المصري وثورته .. وكذلك فعلت في تونس، وفي ليبيا عن طريق " الإمارات "، شريكتها في التآمر والوزر والإثم .. وفي كل منطقة تشهد حركة تحرر من الظلم والطغيان، كانت السعودية ولا تزال تقف مع الطغاة الآثمين الظالمين، ضد الشعوب وثوراتها .. فخسرت بذلك العمق السني لدى هذه الشعوب الممتدة في كثير من الأمصار.
          7- خذَلَت أهل السنّة في إيران، وتخلت عنهم، وهم بعشرات الملايين .. وكذلك فعلت في أفغانستان!
          8- في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة انتفاضة، وتظاهرات الشعوب من أجل القدس، وبيت المقدس، كرد على إعلان السفيه ترامب بجعل القدس عاصمة لدولة إسرائيل .. تمد السعودية يدها للتطبيع مع دولة الصهاينة اليهود، ويقوم ولي عهدها بزيارة خفية وجبانة إلى دولة إسرائيل، وتتواطأ مع الظالمين على ما بات يُعرَف بصفقة العصر .. بينما حظ أهل فلسطين .. أهل غزة .. منها الحصار والتجويع، وإغراء حليفها السيسي المجرم بمزيد من الإجراءات التعسفية والتجويعية بحق أهل غزة المرابطين والمجاهدين .. فازدادت بذلك سقوطاً في أعين الشّعوب الحرة والكريمة! 
          9- على المستوى الداخلي، قامت السلطات السعودية باعتقال الشيوخ والعلماء المسالمين، والموسومين بالتوسّط والاعتدال، ومن دون ذنب، ولا قضية، ولا محاكمة .. وهي في الوقت الذي تعتقل وتكمّم فيه أفواه هؤلاء الإصلاحيين المسلمين، تنفتح بزاوية منفرجة وإلى أقصاها نحو العلمنة، والحداثة، والعلمانيين .. فزادت بذلك من نسبة تفكك النسيج الداخلي المحلي للمجتمع السعودي المتدين والمحافظ، ومن نسبة الخوف وتكميم الأفواه لدى السعوديين، وهذا ليس لصالح الدولة في شيء! 
          كما أن عمليّة محاربة الفساد التي أعلن عنها ولي العهد السعودي، بات كثير من المراقبين يفسرها على أنها محاولة سطو الدولة على مقدرات وأموال الآخرين، وإلا فإن المال الفاسد يُصادَر كله، ولا يُساوم صاحبه على ربعه أو ثلثه أو نصفه!
          ومن يرد أن يحارب الفساد المالي، ينبغي أن يترفع هو أولاً عن الفساد .. وأن تكون يده نظيفة من الفساد .. وإلا فإن فاقد الشيء لا يعطيه!
          10- أسلحتها الثقيلة والمتوسطة، والخفيفة، كلها مستوردة من الدول الأجنبية، أي أن إرادتها العسكرية في النهاية هي مرهونة لتلك الدول الأجنبية ...!
          السلاح الأكثر تأثيراً في حسم المعارك، وتحديد مسارها ونتائجها في هذا الزمن، هو سلاح الطيران، والصواريخ .. والانتاج الوطني المحلي السعودي لهذين النوعين من السلاح، نسبته صفر!
          11- الهروب من الواقعيّة السياسية والعسكرية، إلى الأفلام الكرتونية والخيالية، البعيدة عن الواقع، وإمكانيّة التحقيق ..!
          بهذه الاستراتيجية والمعطيات، والمواقف الهزيلة، والعقلية المتخلّفة، والأنانية المفرطة، تريد السعودية مواجهة الخطر الإيراني .. في المقابل فما هي استراتيجية إيران، وما هي الأوراق التي تمتلكها في المنطقة، التي تساعدها على التمدد والتوسع، ومواجهة ما يتهددها؟ 
          منذ الأيام الأولى من قيام دولة الآيات في قم وطهران، أدركت إيران أن الوحش قوي بأنيابه ومخالبه، فإذا انتزعت أنيابه ومخالبه، انتزعت هيبته وقوته، وسهل النيل منه، لذا نجدها في لبنان صنعت لنفسها أنياباً ومخالباً يحسب لها حسابها، قد وضعت يدها على جميع مقدرات ومرافق لبنان الحساسة، متمثلة في حزب الله الشيعي ..!
          وفي اليمن صنعت لنفسها الأنياب والمخالب الشرسة التي تهدد بها العمق السعودي .. متمثلة في الحوثيين!
          وفي العراق؛ أنيابها ومخالبها من الشيعة الروافض هي التي تحكم العراق، وتتحكم بمقدراته، وقراراته، تؤذي بهم من تشاء، وتحركهم وتستخدمهم ضد من تشاء، وفي الوقت الذي تشاء ..!
          وفي سوريا، وضعت يدها على الطاغية الأجير والخائن بشار الأسد، ونظامه، وأدخلت إليها جميع مرتزقة وفرق الشيعة الروافض، لتقاتل بالنيابة عنها أهل السنة في سوريا، وتحيل بينهم وبين أهداف ثورتهم، وحرصاً منها على سلامة ومستقبل نابها ومخلبها المخلص في لبنان؛ حزب الشيطان ...! 
          وفي أفغانستان لها مخالبها، وأنيابها .. ولها وجودها .. وحيثما تنكمش السعودية وتتراجع .. تتمدد إيران وتتوسع، ولا تتردد في أن تجعل لنفسها في كل نقطة تواجد لها، أنياباً ومخالباً يذودون عنها! 
          ولها مخلب من نوع آخر، اسمه المفاعل النووية، ترهب، وتبتز به دول العالم كلها ...!
          وبالنسبة للقضية الفلسطينية؛ فقد أتقنت إيران اللعبة التي كان يلعبها من قبل الطاغية الهالك حافظ الأسد؛ ففي الظاهر صياح وصراخ وشتائم ضد الصهيونية، والإمبريالية العالمية .. ودعم بالقطّارة وبقدر، للفلسطينين، مقابل الولاء، والثناء .. وفي الباطن تواطؤ، وعمالة، وخيانة!
          فخدعت بهذه السياسة المنافقة جمهور المسلمين، وظهرت بمظهر المقاوم والممانع، بخلاف السعودية التي باتت تتطبع مع الصهاينة اليهود، وعلى المكشوف ...!
          وعلى مستوى الاعتماد على النفس في صناعة السلاح، فقد طورت إيران منظومتها الصاروخية، بصورة تمكنها من النيل من غالب عواصم العالم، وبخاصة منها العربية والإسلامية، وبات بينها وبين صناعة القنبلة النووية خطوات لا أكثر .. وأين السعودية من هذا كله؟!
          هذا باختصار شديد الفارق بين استراتيجيتي السعودية، وإيران، وإنه لفارق ضخم، وأي حرب بينهما بناء على ما تقدم من توصيف لواقع الدولتين، ولما تتمتع كل منها من مقومات واستراتيجية، فإن النتائج ستكون كارثية على السعوديّة قبل غيرها!
          فإن قيل: فما هو الحل .. والخطر يداهم الأبواب؟!
          أقول: رغم فوات كثير من الوقت، فإن الحل ممكن، ويكمن بإصلاح ما أفسدته السعودية، وإصلاح استراتيجيتها المشار إليها أعلاه، ومن دون إهمال لأي نقطة منها .. وأن تكون لها مخالب وأنياب قوية في جميع مناطق النزاع والصراع، وأن تكون وفيّة ومخلصة لأنيابها ومخالبها، كوفائها وإخلاصها لنفسها وقصور الحكم فيها وأكثر، وأن تتبنى قضاياهم وتشاركهم آلامهم، وأن لا تتخلّى عنهم في وسط الطريق، ولأدنى تهديد لها، أو لأنيابها ومخالبها بالإرهاب .. فرغم الدعاوي الواسعة، من قبل كثير من دول العالم على تصنيف حزب الشيطان اللبناني، بأنه إرهابي .. إلا أن إيران لم تتخلّ عنه، ولم تقبل بتصنيفه ــ رغم جرائمه الواسعة ــ بأنه إرهابي .. بل المعهود عن السياسة الإيرانية أنها تجيع شعبها في الداخل، وتضيق عليهم في المعاش والرواتب، من أجل إمداد مخالبها وأنيابها في مناطق تواجدهم بالمال والدعم اللازمين، لإدراكها بمدى أهميتها، وبالدور الكبير الذي تقوم به .. فهل السعودية كذلك، أو تفعل شيئاً من ذلك، أو يمكن أن تفكر وتتحرك بهذه الطريقة ...؟!
          الأيام القادمة ستجيب عن كل هذه التساؤلات .. نسأل الله تعالى أن يدفع عن المسلمين وبلدانهم الشرَّ، وكل ذي شر، اللهم آمين .. وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم!
عبد المنعم مصطفى حليمة
" أبو بصير الطرطوسي "
20/12/2017

www.abubaseer.bizland.com

إرسال تعليق

 
Top